ahdat24

لتكون في قلب الأحداث

تقرير : وفرة المحروقات بالموانئ المغربية لا تمنع اشتعال الأسعار

الاعتماد الخارجي يفاقم فاتورة الطاقة.. والضرائب تمثل أكثر من ثلث سعر الوقود

تكشف وضعية سوق المحروقات بالمغرب عن مفارقة لافتة بين كفاءة المنظومة اللوجستية لاستقبال الشحنات وتوزيعها، من جهة، واستمرار ارتفاع أسعار الوقود وما يترتب عنه من ضغط على القدرة الشرائية للمواطنين وتكاليف الإنتاج والنقل، من جهة أخرى. فالمعضلة، وفق تقرير حديث لمعهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية، لا ترتبط بندرة الإمدادات بقدر ما تعكس اختلالات هيكلية في تكلفة الاستيراد والعبء الضريبي وهوامش التوزيع.

ويبرز التقرير، المعنون بـ«تقرير استراتيجي حول الوضعية اللوجستية لإمدادات الطاقة بالمغرب.. دراسة تحليلية لتدفقات الملاحة البحرية ومؤشرات الأمن الطاقي»، أن توفر البنية التحتية المينائية والقدرة على استقبال شحنات المحروقات لا يكفيان وحدهما لضمان أسعار ملائمة للمستهلك، في ظل ارتهان السوق الوطنية للأسواق الخارجية وارتفاع المكونات الجبائية والمالية المحددة للسعر النهائي.

الضرائب والاستيراد يثقلان فاتورة الوقود
بحسب التقرير، يبلغ السعر التوازني المرجعي لبيع لتر الوقود بالتقسيط 13.38 درهما، تتوزع كلفته بين سعر الشراء الدولي والتوصيل والضرائب وهوامش شركات التوزيع والتكاليف اللوجستية.

ويستحوذ سعر الشراء الدولي والتوصيل على الحصة الأكبر من هذه الكلفة، بنسبة 56 في المائة، بما يعادل متوسط 7.50 دراهم للتر الواحد. في المقابل، تمثل الضريبة الداخلية على الاستهلاك 28.1 في المائة من السعر النهائي، بقيمة ثابتة تبلغ 3.76 دراهم للتر، فيما تصل حصة الضريبة على القيمة المضافة إلى 9.1 في المائة، وهي ضريبة تتصاعد قيمتها مع ارتفاع كلفة الاستيراد.

أما هوامش أرباح شركات التوزيع والتكاليف اللوجستية، فتشكل 6.8 في المائة من السعر المرجعي، وفق المعطيات التي أوردها التقرير.

وتسلط هذه الأرقام الضوء على تعدد مكونات سعر المحروقات، إذ لا يرتبط تطوره بتقلبات الأسعار الدولية وحدها، بل يتأثر أيضا بالضرائب وبنية التوزيع، وهو ما يجعل معالجة غلاء الوقود رهينة بمقاربة تتجاوز مجرد ضمان وصول الشحنات إلى الموانئ الوطنية.

أسعار المحروقات تضغط على القدرة الشرائية
لا تقف تداعيات ارتفاع أسعار الوقود عند حدود تكلفة التنقل، بل تمتد إلى نفقات الأسر وأسعار السلع والخدمات، بفعل انتقال جزء من أعباء النقل والإنتاج إلى المستهلك النهائي.

وفي هذا السياق، يستحضر التقرير نتائج استطلاع للرأي أُنجز سنة 2023، أظهرت أن 93.3 في المائة من المستجوبين اضطروا إلى تقليص نفقات الغذاء والتطبيب والتعليم. كما أشار إلى أن تجاوز سعر الوقود 15 درهما للتر قد يدفع الدورة الاقتصادية نحو وضعية من الركود التضخمي، حيث يتزامن ارتفاع الأسعار مع تراجع النشاط الاقتصادي والقدرة الشرائية.

ويربط التقرير بين ارتفاع تكاليف النقل وما وصفه بـ«التضخم اللوجستيكي»، مشيرا إلى تسجيل زيادات في أسعار المواد الغذائية تجاوزت 1.4 في المائة في بعض المدن، نتيجة ارتفاع أعباء نقل السلع.

وتعكس هذه المؤشرات، وفق المصدر ذاته، اتساع دائرة تأثير أسعار المحروقات، التي لم تعد تقتصر على ميزانية الأسر، بل أصبحت عاملا مؤثرا في تكاليف المقاولات واستقرار أسعار المواد الأساسية.

توقف «سامير» يعمق التبعية للأسواق الخارجية
يربط التقرير جانباً أساسياً من هشاشة المنظومة الطاقية بتوقف مصفاة «سامير» بالمحمدية، معتبرا أن غياب التكرير المحلي ساهم في تكريس اعتماد المغرب على استيراد المواد البترولية المكررة، بنسبة تصل إلى 94 في المائة، وفق المعطيات الواردة فيه.

وقد أدى هذا الوضع، بحسب التقرير، إلى ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة لتتجاوز 120 مليار درهم سنويا، بما يضاعف الضغط على الموارد المالية الوطنية ويجعل السوق أكثر تعرضا لتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية.

ويطرح هذا المعطى إشكالية استعادة جزء من القدرة الوطنية على التكرير، ليس فقط لتقليص التبعية الخارجية، وإنما أيضا للاستفادة من هوامش التكرير والحد من كلفة الاستيراد، بما يعزز الأمن الطاقي الوطني.

موانئ بكفاءة لوجستية عالية وإمدادات متاحة
في مقابل الضغوط المرتبطة بالأسعار والتبعية الخارجية، يرصد التقرير وضعية مريحة نسبيا على مستوى الإمدادات عبر الموانئ المغربية، مشيرا إلى أن أرصفة المحروقات تعمل بنسبة إشغال تبلغ 100 في المائة، ضمن شبكة لوجستية تتوزع وظائفها بين الاستيراد والتوزيع والتزويد الصناعي.

ويبرز ميناء طنجة المتوسط باعتباره منصة مركزية للاستيراد وإعادة الشحن، مستفيدا من أرصفته العميقة وموقعه الاستراتيجي. ويأتي ميناء المحمدية ضمن المكونات الأساسية للشبكة، باعتباره نقطة لتوزيع المحروقات الموجهة إلى الاستهلاك المدني والصناعي بمنطقة الوسط، بعد إبعاد حركة الهيدروكربونات عن ميناء الدار البيضاء التجاري لأسباب وقائية وبيئية.

أما ميناء الجرف الأصفر، فيؤدي دورا صناعيا مهما من خلال تزويد المركب الفوسفاتي ومحطات توليد الكهرباء، بينما يساهم ميناء أكادير في تأمين الإمدادات الطاقية لجهة سوس ماسة والأقاليم الجنوبية.

ويشير التقرير كذلك إلى أن الموقع الجغرافي للموانئ المغربية، وانفتاحها على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، يتيحان تنويع مسارات الإمداد والاستفادة من منافذ بحرية متعددة، بما يقلص التعرض المباشر للمخاطر المرتبطة ببعض الممرات البحرية الحساسة، مثل باب المندب ومضيق هرمز.

وتبرز هذه المعطيات، وفق التقرير، أن التحدي الأساسي لا يكمن في غياب البنية التحتية اللازمة لاستقبال المحروقات، بل في كيفية تحويل الإمكانات اللوجستية المتاحة إلى مكاسب اقتصادية تنعكس على تكلفة الطاقة النهائية.

«سامير» والضريبة المرنة ضمن مقترحات الإصلاح
لمواجهة هذه الاختلالات، يدعو التقرير إلى الحسم في ملف مصفاة «سامير»، بهدف استعادة قدرات التكرير الوطنية، معتبرا أن إعادة تشغيلها يمكن أن تساهم في تغطية 65 في المائة من الطلب المحلي، فضلا عن توفير العملة الصعبة والاستفادة من هوامش التكرير، وفق التقديرات الواردة فيه.

كما يقترح اعتماد آلية للضريبة المرنة، تقوم على خفض استثنائي للضريبة الداخلية على الاستهلاك عند تجاوز أسعار النفط 85 دولارا للبرميل، بما يسمح بتخفيف أثر الارتفاعات الدولية على الأسعار المحلية.

وفي السياق ذاته، يدعو التقرير إلى تقييد هوامش أرباح شركات التوزيع خلال فترات الغلاء الحاد، في إطار إجراءات تستهدف الحد من تفاقم الأعباء التي يتحملها المستهلكون والفاعلون الاقتصاديون.

وتشمل التوصيات أيضا تسريع تجهيز ميناء الناظور غرب المتوسط، بهدف تعزيز قدرات التخزين الاستراتيجية بأكثر من 25 مليون طن بحلول نهاية سنة 2026، إلى جانب تشجيع النقل النظيف، في ظل بلوغ حصة المركبات الهجينة والكهربائية 12.5 في المائة من السوق، وفق التقرير.

كما يوصي المصدر ذاته بتوسيع الدعم المالي المباشر الموجه إلى مهنيي النقل، بهدف الحد من انتقال الزيادات في تكاليف المحروقات إلى أسعار السلع والخدمات، وبالتالي كسر حلقة التضخم التي تثقل كاهل الأسر.

وتخلص هذه المقترحات إلى أن تحسين الأمن الطاقي بالمغرب لا يتوقف عند ضمان انتظام الإمدادات أو تطوير البنية التحتية المينائية، بل يتطلب أيضا مراجعة العوامل المؤثرة في السعر النهائي، وتقليص التبعية للاستيراد، وتطوير آليات التدخل المالي والضريبي، بما يضمن انعكاس كفاءة المنظومة اللوجستية على القدرة الشرائية والتنافسية الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *