مجلس النواب يدخل مرحلة التأسيس: من انتخاب الرئيس إلى تشكيل هياكل البرلمان وتنصيب الحكومة
زهير أصدور
يحمل البلاغ الصادر عن رئيس المكتب المؤقت لمجلس النواب، عبد العزيز أبا، بشأن عقد جلسة عمومية يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 لانتخاب رئيس مجلس النواب، دلالة دستورية تتجاوز مجرد انتخاب رئيس للمؤسسة التشريعية، باعتباره إيذانا بالشروع في استكمال البناء المؤسساتي للولاية التشريعية الثانية عشرة.
فبمقتضى الفصل 62 من الدستور، يتم انتخاب رئيس مجلس النواب وأعضاء مكتبه ورؤساء اللجان الدائمة ومكاتبها في مستهل الفترة النيابية، ثم تجديد انتخابهم في السنة الثالثة خلال دورة أبريل، لما تبقى من الولاية التشريعية.
وتنظم المواد من 47 إلى 58 من النظام الداخلي للمجلس المسطرة الخاصة بانتخاب الرئيس وتشكيل المكتب.
وخلال جلسة الثلاثاء، يفتح الرئيس المؤقت باب الترشيحات، ويجري انتخاب رئيس المجلس بالاقتراع السري، بالأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس في الدور الأول، أي 198 صوتا من أصل 395 عضوا. وفي حالة عدم حصول أي مترشح على هذه الأغلبية، ينظم دور ثان يحسم بالأغلبية النسبية للأصوات المعبر عنها، مع وجود مسطرة خاصة في حالة الترشيح الوحيد.
وبمجرد انتخاب الرئيس، تبدأ مرحلة تشكيل الفرق والمجموعات النيابية، وفق الضوابط القانونية المحددة في النظام الداخلي، حيث يشترط لتكوين الفريق النيابي عشرون عضوا على الأقل، مقابل أربعة أعضاء لتكوين مجموعة نيابية.
بعد ذلك، يتم انتخاب مكتب مجلس النواب داخل أجل لا يتجاوز ثلاثة أيام من تاريخ انتخاب الرئيس، ويتكون من ثمانية نواب للرئيس ومحاسبين اثنين وثلاثة أمناء، إضافة إلى الرئيس، مع مراعاة قاعدة التمثيل النسبي للفرق النيابية التي يفرضها الدستور.
وهنا يبرز مبدأ دستوري أساسي، وهو أن تشكيل أجهزة البرلمان لا ينبغي أن يقوم على منطق اقتسام المناصب بين مكونات الأغلبية وحدها، بل على احترام التعددية والتمثيل النسبي والحقوق الدستورية للمعارضة، بما فيها المناصب المخصصة لها داخل المكتب.
ثم تأتي مرحلة تشكيل اللجان الدائمة التسع، وانتخاب رؤسائها ومكاتبها، مع استحضار الحق الدستوري للمعارضة في رئاسة اللجنة المكلفة بالتشريع، باعتباره ضمانة للتوازن داخل المؤسسة البرلمانية.
ولا تتوقف هذه العمليات بسبب وجود طعون انتخابية أمام المحكمة الدستورية، ذلك أن المادة 88 من القانون التنظيمي لمجلس النواب تقر استمرار النواب المعلن انتخابهم في ممارسة مهامهم إلى حين صدور قرار بإلغاء انتخابهم.
غير أن النقطة الدستورية الأهم تكمن في ضرورة التمييز بين تشكيل أجهزة مجلس النواب وتشكيل الأغلبية الحكومية.
فانتخاب رئيس المجلس ومكتبه لا يشكل في ذاته تنصيبا للحكومة، ولا يعوض المسطرة الدستورية المستقلة المنصوص عليها في الفصل 88 من الدستور.
ذلك أن الحكومة، بعد تعيين أعضائها من طرف الملك، يتعين على رئيستها عرض برنامجها أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ثم إخضاعه للمناقشة والتصويت أمام مجلس النواب، ولا تعتبر منصبة إلا بعد حصولها على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضائه، أي 198 صوتا على الأقل.
وهكذا نكون أمام محطتين دستوريتين متكاملتين، لكنهما مختلفتان من حيث الطبيعة والآثار: تأسيس أجهزة السلطة التشريعية من جهة، واستكمال شروط التنصيب الدستوري للسلطة التنفيذية من جهة أخرى.
والعبرة في هذه المرحلة ليست في هوية من سيتولى رئاسة المجلس، أو عدد المناصب التي ستنالها الأحزاب، وإنما في مدى احترام الإرادة الانتخابية، والتعددية السياسية، والحقوق الدستورية للمعارضة، واستقلال المؤسسة التشريعية في ممارسة اختصاصاتها.
فالبرلمان ليس امتدادا تنظيميا للحكومة، ولا يفترض أن يتحول مكتبه إلى مجرد انعكاس لتوزيع الحقائب الوزارية.
وإذا كانت الحكومة تستمد شرعية تنصيبها من ثقة الأغلبية البرلمانية، فإن مجلس النواب يستمد شرعيته التمثيلية من الأمة، ويمارس اختصاصاته الدستورية في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية.
وهنا يكمن جوهر التوازن الدستوري بين السلط، والاختبار الحقيقي للولاية التشريعية الجديدة