كيف أطر المشرع الحملات الانتخابية؟
أخضع المشرع المغربي الحملات الانتخابية لتأطير قانوني دقيق، انطلاقا من أن نزاهة الانتخابات ترتبط أيضا بالظروف التي تسبق يوم الاقتراع. فالناخب يتخذ قراره بعد تعرضه للبرامج والخطابات والحملات الدعائية، وقد يتأثر كذلك بالمال أو الإعلام أو المحتوى الرقمي. لذلك تبدأ حماية حرية التصويت من ضمان أن يتخذ الناخب قراره في ظروف تسمح له بالاختيار بحرية.
ويجد هذا التأطير أساسه في الفصل 11 من الدستور، الذي ربط الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة بمشروعية التمثيل الديمقراطي. وعلى هذا الأساس نظم المشرع زمن الحملة ووسائلها وتمويلها وحضورها الإعلامي والرقمي، وجرّم الأفعال التي تمس حرية الناخب أو تكافؤ الفرص بين المتنافسين.
وقد عززت إصلاحات 2026 هذه الضمانات، خاصة من خلال القانون التنظيمي رقم 53.25 المغير والمتمم للقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، والقانون رقم 55.25 المغير والمتمم للقانون رقم 57.11، إلى جانب التعديلات التي شملت القانون التنظيمي للأحزاب السياسية.
ويظهر ذلك أولا في تحديد زمن الحملة الانتخابية، إذ وضع القانون لها بداية ونهاية، ومنع بعض أشكال الدعاية يوم الاقتراع.
ويساعد هذا التحديد على تنظيم المنافسة ومنح الناخب، قبيل التصويت، قدرا من الاستقلال عن الضغط الدعائي المباشر.كما حرص المشرع على تكافؤ الفرص بين المتنافسين، فمنع استخدام الإدارة والوسائل والممتلكات العمومية لمنح أفضلية انتخابية لطرف معين. وحياد الإدارة أساسي في هذا المجال، لأن الثقة في الانتخابات تتأثر بالطريقة التي تطبق بها القواعد على مختلف الأحزاب والمترشحين.
فالمؤسسات مطالبة بحماية قواعد المنافسة والبقاء على المسافة القانونية نفسها من الجميع.أما المال الانتخابي، فقد أخضعه المشرع لسقف للإنفاق وقواعد تتعلق بمصادر التمويل ومراقبة حسابات الحملات. والهدف هو الحد من أثر التفاوت المالي في المنافسة، لأن اتساع الفوارق في الموارد قد يمنح بعض المترشحين قدرة أكبر على الوصول إلى الناخبين والتأثير فيهم. ولهذا ترتبط شفافية التمويل مباشرة بتكافؤ الفرص ونزاهة الانتخابات.
ويتصل بذلك تجريم شراء الأصوات والتأثير غير المشروع في الناخبين، سواء عن طريق الهدايا والتبرعات والوعود بالمنافع والوظائف، أو بواسطة الضغط والتهديد والتخويف بقصد توجيه التصويت.
والغاية هنا واضحة: أن يكون الصوت الانتخابي نتيجة اختيار حر، لا نتيجة منفعة أو ضغط.ومن أبرز مستجدات إصلاحات 2026 امتداد التنظيم الانتخابي إلى المجال الرقمي. فقد أصبحت النصوص تشير صراحة إلى شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات والتطبيقات الإلكترونية والأنظمة المعلوماتية وأدوات الذكاء الاصطناعي.
وهذا التطور كان ضروريا بعدما أصبح جزء كبير من الحملات يجري عبر الهاتف والمنصات الرقمية، حيث يمكن لمحتوى مزيف أو مضلل أن ينتشر بسرعة ويؤثر في عدد كبير من الناخبين.
وفي هذا السياق جاءت المادة 51 المكررة من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب لتجريم صور محددة من المحتويات المختلقة أو المدلسة والأخبار والادعاءات الكاذبة واستعمال الوسائل الرقمية والذكاء الاصطناعي، متى توافرت الشروط والقصد الذي حدده النص، ومن ذلك المساس بنزاهة وصدق العمليات الانتخابية.
والمقصود هو الحد من تأثير التضليل المتعمد في اختيار الناخب. وفي المقابل، ينبغي تطبيق هذه المقتضيات بما يحفظ حرية التعبير والنقد السياسي والسخرية والاختلاف المشروع في الرأي.
