البرلمان يسبق الحكومة… حين يحسم الدستور ما تؤجله السياسة
زهير أصدور، محامي ومحلل سياسي
يفتتح جلالة الملك محمد السادس، غدا الجمعة 9 أكتوبر 2026، السنة التشريعية الأولى من الولاية البرلمانية الجديدة، في مشهد دستوري لافت: برلمان أفرزته صناديق الاقتراع، وحكومة لم تكتمل بعد معالم أغلبيتها، ومشاورات سياسية لا تزال تبحث عن التوافق الذي يسمح بالانتقال من نتائج الانتخابات إلى ممارسة السلطة.
غير أن هذا المشهد، خلافا لما قد يبدو للبعض، لا يحمل أي غرابة دستورية، ولا يشكل سابقة في التاريخ السياسي المغربي. فقد سبق للمملكة أن عرفت افتتاح البرلمان قبل تشكيل الحكومة، كما حدث سنة 2016، وغيرها من المحطات التي لم يتطابق فيها الزمن الانتخابي مع الزمن الحكومي.
فالدستور المغربي لم يجعل افتتاح البرلمان رهينة بنجاح المفاوضات بين الأحزاب، ولم يمنح التوافقات الحكومية سلطة تعطيل المؤسسات. لقد حسم الفصل 65 موعد افتتاح الدورة الأولى، بينما أخضع تشكيل الحكومة لمقتضيات الفصل 47، وجعل تنصيبها، بموجب الفصل 88، مرتبطا بالحصول على ثقة مجلس النواب.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص النظام الدستوري المغربي: استمرارية المؤسسات لا تخضع لتقلبات التفاوض الحزبي، والزمن الدستوري لا ينتظر انتهاء الحسابات السياسية.
فالبرلمان الذي سيفتتح غدا لا يحتاج إلى حكومة جديدة حتى يكتسب وجوده الدستوري، كما أن انتخاب رئيس مجلس النواب وتشكيل أجهزته لا يتوقفان على إعلان التحالف الحكومي. بل إن منطق الدستور يقتضي أن تنتظم المؤسسة التشريعية في استقلال عن مسار تشكيل السلطة التنفيذية، حتى تكون جاهزة لممارسة اختصاصاتها، وفي مقدمتها مناقشة البرنامج الحكومي والتصويت على الثقة.
لكن ما هو سليم دستوريا لا يعفي من المساءلة السياسية.
فالانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر لم تكن مجرد عملية لتوزيع المقاعد البرلمانية، وإنما كانت تعبيرا عن إرادة انتخابية يفترض أن تتحول إلى أغلبية سياسية واضحة، وإلى برنامج حكومي يعكس التعاقد مع الناخبين.
ومن هنا يطرح السؤال الحقيقي: هل يجري تشكيل الحكومة وفق تقارب سياسي وبرنامجي واضح، أم أن المفاوضات ما زالت أسيرة حسابات توزيع الحقائب وضبط موازين القوى وإرضاء الطموحات الفردية؟
إن الدستور يمنح الأحزاب هامشا للتفاوض، لكنه لا يمنحها تفويضا مفتوحا لإفراغ نتائج الاقتراع من معناها السياسي. فالشرعية الانتخابية لا تكتمل بمجرد الحصول على المقاعد، وإنما تتعزز بالقدرة على تحويلها إلى مسؤولية حكومية قابلة للمحاسبة.
واللافت أن المؤسسة الملكية، من خلال افتتاح البرلمان في موعده الدستوري، تجسد استمرارية الدولة وانتظام مؤسساتها، بينما تبقى الأحزاب مطالبة باستكمال مسؤوليتها في بناء الأغلبية الحكومية. وهو تمييز جوهري بين منطق الدولة الذي تحكمه القواعد الدستورية، ومنطق التفاوض السياسي الذي تحكمه موازين القوى والاختيارات الحزبية.
ولذلك فإن عدم تشكيل الحكومة قبل افتتاح البرلمان لا يمثل أزمة دستورية، لكنه يضع الأحزاب أمام اختبار سياسي واضح: مدى قدرتها على إنتاج توافق مسؤول لا يختزل المشاركة الحكومية في اقتسام المواقع.
وغدا، عندما يفتتح البرلمان أبوابه، ستبدأ مرحلة مؤسساتية جديدة، بصرف النظر عن الموعد الذي ستنتهي فيه المفاوضات الحكومية. وقد ينتخب مجلس النواب رئيسه ويشرع في تشكيل هياكله قبل أن تتضح التركيبة النهائية للحكومة.
فالبرلمان ليس ملحقة بالأغلبية الحكومية، والأغلبية ليست بديلا عن البرلمان، والحكومة لا تستمد تنصيبها من اتفاق الأحزاب وحده، وإنما من ثقة ممثلي الأمة.
وهذا هو جوهر المسألة: ليس المهم أن تدخل الأحزاب إلى الحكومة بأسرع وقت، بل أن تدخلها على أساس سياسي واضح، وبأغلبية متماسكة، وبرنامج يمكن الدفاع عنه أمام البرلمان والمواطنين.
إن الدستور المغربي نظم استمرار المؤسسات حتى لا تتحول صعوبات تشكيل الحكومة إلى تعطيل للحياة الدستورية. أما نجاح التجربة الديمقراطية، فيبقى مرتبطا بقدرة الفاعلين السياسيين على الارتقاء من حسابات المشاركة إلى مسؤولية الحكم.
فالبرلمان سيفتح أبوابه في الموعد الذي حدده الدستور، أما الحكومة فستفتح أبوابها عندما تنتهي الأحزاب من حساباتها.
وبين الموعدين، يظهر الفرق بين دولة تحكمها المؤسسات، وسياسة لم تتحرر بعد من منطق المفاوضات على المواقع
