عمال الحراسة والنظافة.. المجلس الاقتصادي والاجتماعي يبحث تحسين ظروف العمل
تعود الأوضاع المهنية والاجتماعية لعمال الحراسة والنظافة العاملين في إطار الصفقات العمومية إلى واجهة النقاش المؤسساتي بالمغرب، بعدما شرع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في دراسة تروم تشخيص ظروف اشتغال هذه الفئة، والبحث عن سبل تحسين وضعيتها، في سياق يطرح أسئلة بشأن التوازن بين كلفة الخدمات التي تتعاقد بشأنها المؤسسات العمومية والحقوق المهنية والاجتماعية للعاملين الذين يتولون تقديمها.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المهام التي يضطلع بها عمال الحراسة والنظافة داخل الإدارات والمؤسسات والمرافق العمومية، مقابل الإشكالات المرتبطة بشروط تشغيلهم، وما تثيره هذه الوضعية من تساؤلات حول مدى قدرة منظومة الصفقات العمومية على ضمان التوفيق بين استمرارية الخدمات وجودتها من جهة، وصون كرامة العاملين واستقرارهم المهني والاجتماعي من جهة أخرى.
الصفقات العمومية تحت المجهر
وناقشت الجمعية العامة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مشروع دراسة حول أوضاع عمال الحراسة والنظافة المشتغلين في إطار الصفقات العمومية، خلال دورتها العادية الـ187، المنعقدة الاثنين 26 أكتوبر 2026، برئاسة عبد القادر اعمارة.
وأوضح المجلس، في بلاغ له، أن مشروع الدراسة أُعد بناء على إحالة من مجلس النواب، ويهم الصفقات التي تبرمها الإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية مع شركات خدمات الحراسة والنظافة، مع التركيز على وضعية العمال المعنيين وظروف اشتغالهم.
ويرصد المشروع أبرز الإشكالات المرتبطة بظروف العمل، ويبحث في حدود التدابير والآليات المعمول بها حاليا، بهدف صياغة توصيات من شأنها الإسهام في تحسين شروط التشغيل والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة داخل القطاع العام.
ولا ينحصر الرهان هنا في تحسين تدبير عقود الخدمات، بل يمتد إلى مساءلة الشروط التي تؤطر تشغيل فئة تضطلع بمهام يومية داخل المرافق العمومية، إذ تظل جودة الخدمة مرتبطة أيضا بالموارد البشرية التي تقدمها، وبمدى استفادتها من شروط عمل تضمن الاستقرار المهني والاجتماعي.
بين كلفة الخدمات والحقوق الاجتماعية
وتطرح أوضاع عمال الحراسة والنظافة إشكالية التوازن بين الاعتبارات المالية التي تتحكم في إبرام الصفقات العمومية، والالتزامات الاجتماعية تجاه العاملين لدى الشركات المتعاقدة مع المؤسسات العمومية.
فحين تحتل كلفة الخدمة موقعا أساسيا في تدبير الصفقات، يصبح من الضروري الانتباه إلى أثر الشروط المالية والتعاقدية على وضعية العمال، ومدى انعكاسها على الأجور وظروف الاشتغال والاستقرار المهني، فضلا عن شروط السلامة والحماية الاجتماعية، وهي جوانب تقتضي الدراسة التحقق منها وتقييمها استنادا إلى المعطيات المتاحة.
وفي هذا السياق، يسعى المجلس إلى بلورة مقاربة تراعي المسؤولية الاجتماعية للجهات العمومية، دون إغفال ضرورة التحكم في النفقات وضمان الاستدامة الاقتصادية للشركات المتعاقدة.
ويعني ذلك أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تقتصر على الدعوة إلى تحسين ظروف العمل، بل تستدعي أيضا بحث الآليات الكفيلة بجعل الالتزامات الاجتماعية جزءا فعليا من تدبير الصفقات، مع تعزيز المراقبة والتتبع وتقييم مدى احترام الشركات المتعاقدة لالتزاماتها القانونية والتعاقدية.
كما يطرح هذا التوجه سؤالا بشأن مدى إمكانية اعتماد معايير لا تقتصر على السعر وجودة الخدمة، وإنما تشمل كذلك ظروف تشغيل العاملين، بما يضمن عدم تحول المنافسة بين الشركات إلى عامل يضغط على الوضعية المهنية والاجتماعية للأجراء.
من تشخيص الاختلالات إلى توصيات قابلة للتنفيذ
وتكمن أهمية الدراسة المرتقبة في قدرتها على الانتقال من رصد الإشكالات إلى اقتراح حلول عملية قابلة للتنفيذ والتقييم. فالتوصيات المنتظرة ستكون مطالبة بمراعاة مختلف حلقات منظومة الصفقات العمومية، بدءا من إعداد دفاتر التحملات وتحديد الشروط المالية، مرورا بمراقبة تنفيذ العقود، وصولا إلى تقييم مدى احترام الالتزامات المرتبطة بالموارد البشرية.
ويظل التحدي الأساسي هو ضمان ألا تبقى المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات العمومية مجرد مبدأ عام، بل تتحول إلى عنصر ملموس في تدبير الصفقات، بما يتيح تحسين ظروف اشتغال العمال، ويعزز استقرارهم المهني، ويحافظ في الوقت نفسه على جودة الخدمات واستمراريتها.
غير أن الأثر الفعلي لهذه المبادرة سيظل مرتبطا بمضمون التوصيات التي ستنبثق عنها، وبمدى ترجمتها إلى إجراءات عملية، وبقدرة الجهات المعنية على تتبع تنفيذها وتقييم نتائجها.
التشغيل اللائق.. ملف مواز على طاولة المجلس
وبالموازاة مع دراسة أوضاع عمال الحراسة والنظافة، ناقشت الجمعية العامة للمجلس مشروع رأي بشأن واقع التشغيل في القطاع الثالث وآفاقه، أُعد في إطار إحالة ذاتية.
ويشمل هذا القطاع الجمعيات والتعاونيات والتعاضديات وغيرها من التنظيمات غير الهادفة إلى الربح، التي تتموقع عند تقاطع القطاعين العام والخاص، ويمكن أن تضطلع بدور في التنمية المجالية وإحداث قيمة اقتصادية واجتماعية.
ويركز مشروع الرأي على تحليل العوامل المؤثرة في جودة فرص العمل واستمراريتها داخل هذا القطاع، مع اقتراح مسارات لتعزيز قدرته على توفير وظائف لائقة ومستدامة، خصوصا لفائدة الشباب والنساء في المجالات الأقل استفادة من التنمية.
ويجمع الملفان، رغم اختلاف طبيعة الفئات والقطاعات المعنية بهما، سؤال مشترك يتعلق بكيفية الانتقال من إحداث فرص العمل إلى ضمان جودتها واستدامتها، بما يجعل التشغيل رافعة للإدماج الاجتماعي والتنمية، وليس مجرد استجابة ظرفية لحاجيات المؤسسات أو السوق.
وأكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن مشروعي الدراسة والرأي سيُغنيان بملاحظات أعضائه ومساهماتهم، قبل عرضهما على مصادقة الجمعية العامة خلال دورات مقبلة.