لم تعد مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة مجرد مفاوضات لتوزيع الحقائب والمواقع، بعدما بدأت تطرح على الطاولة صيغة سياسية تعيد إلى الواجهة واحدا من أقدم العناوين في تاريخ المعارضة المغربية: الكتلة الديمقراطية.
فبعد الجولة الأولى من المشاورات، تتجه الأنظار إلى صيغة محتملة تتمحور حول حزب الأصالة والمعاصرة، وتضم إلى جانبه الأحزاب الثلاثة التي ظلت الأكثر ارتباطا بالإرث السياسي للكتلة: حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية. وهي الصيغة التي بدأت تتردد بقوة في أجواء المشاورات، دون أن تتحول، إلى حدود الساعة، إلى اتفاق سياسي معلن ونهائي.
من «كتلة المعارضة» إلى «أغلبية الحكم»
المفارقة السياسية في هذه الصيغة تكمن في أن الأحزاب التي اجتمعت في تسعينيات القرن الماضي داخل الكتلة الديمقراطية، في مواجهة معادلة سياسية مختلفة، قد تجد نفسها اليوم أمام احتمال الاجتماع مجددا، لكن من موقع مختلف تماما: تشكيل أغلبية حكومية تقود المرحلة المقبلة.
فالكتلة التي تأسست سنة 1992 لم تكن تحالفا حكوميا بالمعنى التقليدي، بل إطارا لتنسيق المواقف بين خمسة مكونات سياسية هي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية. ومع مرور السنوات، تغيرت الخريطة التنظيمية لعدد من هذه المكونات، فيما حافظت الأحزاب الثلاثة الأولى على حضورها داخل المشهد السياسي الوطني.
واليوم، يعود اسم «الكتلة» إلى التداول، لكن ليس باعتبارها تنظيما سياسيا قائما بالصيغة التاريخية نفسها، وإنما كمرجعية سياسية تجمع أحزابا لها تقاطعات تاريخية وبرامجية، ويمكن أن تجد نفسها في تحالف حكومي واحد إلى جانب «البام».
المنصوري تختبر إمكانية جمع المتباعدين
وتكتسب الجولة الثانية من المشاورات أهمية خاصة في هذا السياق، بعدما انتقلت العملية من التعارف وتبادل المواقف إلى اختبار إمكانات بناء أغلبية قابلة للاستمرار.
وكانت فاطمة الزهراء المنصوري قد استقبلت إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، في إطار المشاورات، فيما جرى لقاء آخر مع نبيل بنعبد الله، الأمين العام للتقدم والاشتراكية. وقال بنعبد الله، عقب لقائه بقيادة «البام»، إن النقاش كشف عن «نقاط التقاء مختلفة» بين الحزبين، خصوصا في عدد من القضايا والبرامج الانتخابية، مع تأكيده أن حزبه لم يحسم حينها بعد في طبيعة تموقعه السياسي المقبل.
أما حزب الاستقلال، فقد حسم على مستوى مؤسساته الحزبية في تفويض قيادته مواصلة المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة والتحالفات السياسية المقبلة، في وقت فوّض فيه المجلس الوطني لـ«البام» اللجنة التي تقودها المنصوري مواصلة المفاوضات.
ماذا عن «الأحرار»؟
أحد مفاتيح المشهد الجديد يرتبط بموقع التجمع الوطني للأحرار.
فالحزب، الذي قاد الحكومة خلال الولاية السابقة، دخل بدوره على خط المشاورات، وأعلن استعداده للمشاركة في الحكومة وتحمل المسؤولية من أي موقع كان، لكن الصيغة التي بدأت تتبلور بعد الجولة الأولى لا تبدو، وفق ما نشرته مصادر إعلامية، متجهة بالضرورة إلى إعادة إنتاج الأغلبية السابقة.
وهنا تبرز أهمية الخيار الذي يتم تداوله تحت عنوان «البام زائد الكتلة»: فإذا اكتملت هذه الصيغة، فإنها لن تكون مجرد إضافة عددية إلى أغلبية جديدة، بل ستعني إعادة رسم كاملة للخريطة الحكومية، وإخراج التجمع الوطني للأحرار من موقع الشريك الحكومي الرئيسي الذي شغله خلال الولاية المنتهية.
غير أن ذلك يظل، في هذه المرحلة، سيناريو قيد التفاوض وليس تركيبة حكومية معلنة.
تحالف جديد بذاكرة سياسية قديمة
ما يجعل صيغة «البام والكتلة» مختلفة هو أن وراءها حمولة سياسية تتجاوز الحسابات البرلمانية.
فالأصالة والمعاصرة، الذي تأسس في 2008، لم يكن جزءا من الكتلة الديمقراطية التاريخية. أما الأحزاب الثلاثة الأخرى، فقد عاشت تجربة سياسية مشتركة في إطار الكتلة، قبل أن تتباعد مواقعها واختياراتها خلال السنوات اللاحقة.
وبالتالي، فإن جمع هذه المكونات في حكومة واحدة لن يعني عودة الكتلة إلى الحياة بصيغتها القديمة، بقدر ما سيعني إعادة توظيف إرث سياسي مشترك داخل معادلة حكومية جديدة.
وهذه نقطة فارقة؛ فالكتلة التاريخية قامت أساسا على التنسيق بين قوى سياسية كانت تنتمي إلى المعارضة، بينما الصيغة التي يجري تداولها حاليا تقوم على تحويل ذلك التقارب التاريخي إلى أرضية محتملة لبناء أغلبية حكومية.
بين التقارب البرنامجي والحساب الانتخابي
ولا يبدو أن التقارب المحتمل يقتصر على الذاكرة السياسية. فبنعبد الله تحدث صراحة عن وجود نقاط التقاء بين برنامجي التقدم والاشتراكية والأصالة والمعاصرة، خصوصا في قضايا اجتماعية وبرامجية، كما أشار إلى تجاوب قيادة «البام» مع عدد من الملفات التي طرحها حزبه، من بينها تقوية الفضاء الديمقراطي والحريات والحقوق وتخليق الحياة العامة.
لكن السياسة الحكومية لا تبنى على التقاطعات البرامجية وحدها. فكل حزب يدخل المشاورات محملا بنتائج انتخابات 23 شتنبر، وبانتظارات قواعده، وبحسابات تتعلق بحجمه داخل الأغلبية وبالموقع الذي سيحتله في السلطة التنفيذية.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للمنصوري لا يتمثل فقط في جمع هذه الأحزاب حول طاولة واحدة، وإنما في تحويل التقاطعات إلى اتفاق سياسي واضح، ثم إلى برنامج حكومي قادر على استيعاب اختلافاتها.
«الكتلة» تعود.. ولكن بثوب مختلف
إذا ما انتهت المشاورات إلى تشكيل حكومة تجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، فإن المشهد السياسي المغربي سيكون أمام مفارقة لافتة: أحزاب كانت ذات يوم تتقاسم جبهة معارضة واحدة، ستجد نفسها مجتمعة داخل أغلبية حكومية تقودها شخصية من حزب لم يكن جزءا من تلك التجربة التاريخية.


