لا تبدو خريطة النفوذ داخل حزب الأصالة والمعاصرة محكومة فقط بالهياكل الرسمية، إذ تكشف قراءة نشرتها مجلة «جون أفريك» عن شبكة واسعة من الشخصيات التي تتقاطع أدوارها حول فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة الجديدة وأحد أبرز مراكز الثقل داخل الحزب.
وبحسب المجلة، فإن القيادة الرسمية للحزب تُنسب إلى ثلاثة أشخاص، غير أن المنصوري تبدو، على المستوى العملي، الشخصية الأكثر تأثيرا. وحولها تتوزع دائرة تضم مقربين تربطهم بها علاقات شخصية، وقيادات حزبية وازنة، وشخصيات تاريخية، إلى جانب أسماء ساهمت في صعودها داخل التنظيم.
دائرة المقربين.. علاقات تتجاوز الحزب
تحتل خديجة الطالبي موقعا خاصا في محيط المنصوري، إذ تكاد تؤدي بالنسبة إليها دور الأخت، بحسب مصدر حزبي نقلت عنه «جون أفريك» وصفها بأنها «شبيهة لها».
وشغلت الطالبي منصب مديرة ديوان المنصوري في جماعة مراكش بين 2009 و2015، قبل أن تعود إلى المنصب ذاته سنة 2021، مع استئناف المنصوري رئاسة مجلس المدينة. كما تولت تدبير الأعمال اليومية خلال الفترة التي جمعت فيها المنصوري بين رئاسة المجلس وتدبير حقيبة الإسكان.
ورغم انخراطها في حزب الأصالة والمعاصرة، فإن مصادر الصحيفة تعتبر أن علاقتها بالمنصوري تتجاوز الانتماء الحزبي، إذ توصف بأنها مقربة وصديقة لها، وأن ولاءها الأساسي يظل موجها نحوها.
وفي الدائرة نفسها، يبرز المهدي بنسعيد، وزير الثقافة والشباب والتواصل والقيادي في القيادة الجماعية للحزب. وتنقل «جون أفريك» عن أحد المصادر عبارة تختصر طبيعة العلاقة بين الرجلين: «حيثما ترى مهدي، تجد فاطمة الزهراء المنصوري».
ويبلغ بنسعيد 41 عاما، وقد راكم تجربة سياسية داخل الحزب، بعدما شغل عضوية البرلمان ورئاسة لجنة الشؤون الخارجية، كما كان مقربا من فؤاد عالي الهمة وعاصر مرحلة إلياس العماري.
وبحسب الباحث والمحلل في الشأن السياسي المغربي ياسين البهلولي، فإن بنسعيد كان من الجيل الذي ساهم في القطيعة مع الأساليب القديمة داخل الحزب سنة 2021، كما كان جزءا من الجيل الذي واكب صعوده السياسي في عهد إلياس العماري قبل أن يساهم لاحقا في إبعاده. واليوم، يشكل مع المنصوري ثنائيا سياسيا قويا.
كودار.. اليد التنظيمية للحزب
إذا كان بنسعيد يمثل أحد الوجوه السياسية البارزة، فإن سمير كودار، رئيس جهة مراكش-آسفي، يملك، وفق «جون أفريك»، نفوذا تنظيميا مهما، رغم أن حضوره أقل بروزا لدى الجمهور.
ويقول ياسين البهلولي إن كودار يمسك بجزء مهم من الجهاز التنظيمي للحزب وبالمنتخبين خلال مرحلة المنصوري، ويلعب دورا أساسيا في تحريك الآلة الحزبية، فيما تقدمه مصادر أخرى باعتباره مقربا جدا منها وفاعلا رئيسيا في ملفات التزكيات.
وبدأ كودار، المنحدر من آسفي، مساره في جمعية محلية كان يرأسها إدريس بنهيمة، قبل أن يلفت انتباه صلاح الوديع، الناشط اليساري السابق وأحد مؤسسي الأصالة والمعاصرة والمقرب من فؤاد عالي الهمة.
وتعزز حضوره داخل الحزب خصوصا بين 2019 و2020، خلال فترة حكيم بنشماش، حيث ترأس اللجان التحضيرية لمؤتمري الحزب في 2020 و2024، قبل أن يتولى إدارة الحملة الانتخابية سنة 2021.
أما فاطمة السعدي، فقد التحقت بالقيادة الجماعية بعد الخلاف الذي نشب بين المنصوري وصلاح الدين أبو الغالي، نائب رئيس جماعة مديونة، الذي جرى تجميد عضويته في أكتوبر 2024.
والسعدي، البالغة 57 عاما، برلمانية سابقة ورئيسة سابقة لجماعة الحسيمة ومستشارة سابقة بمجلس المستشارين، كما تربطها بالمنصوري علاقة شخصية.
وتستمد السعدي جزءا من وزنها السياسي من جذورها الريفية، فضلا عن تجربتها الطويلة داخل الحزب، إذ كانت واحدة من النساء الأربع في المكتب السياسي المؤسس سنة 2008. كما يعزز ماضيها الجمعوي، ولا سيما في منطقة الريف، حضورها داخل القواعد، فيما ينسب إليها بعض أعضاء الحزب ما يسمونه «البركة».
اخشيشن والحموتي.. العقل والانتخابات
على مستوى صناعة الأفكار والاستراتيجية، يحضر أحمد اخشيشن باعتباره أحد أبرز الأسماء التاريخية داخل الحزب. ويصفه ياسين البهلولي بأنه «المهندس الرئيسي» لمشروع الأصالة والمعاصرة.
اخشيشن، الوزير السابق للتربية الوطنية في حكومة الفاسي والرئيس السابق لجهة مراكش-آسفي، والمنحدر من مراكش مثل المنصوري، عضو في لجنة الاستشارات الخاصة بتشكيل الحكومة، كما يصفه المحلل بأنه قناة للتواصل مع القصر.
ويرأس اخشيشن أكاديمية الحزب ومركز التفكير التابع له، ويساهم في صياغة تصوره الفكري والسياسي. وتنقل «جون أفريك» عن مصدر أن اختزاله في دور مساعد للمنصوري لا يعكس موقعه الحقيقي، باعتباره أحد «بارونات الحزب التاريخيين» وأحد أبرز العقول الفكرية داخله.
في المقابل، يحتل محمد الحموتي موقعا مختلفا، بعيدا عن الواجهة السياسية والإعلامية، لكنه مرتبط بأحد أهم مصادر القوة داخل الحزب: الانتخابات.
فالحموتي، عالم الرياضيات والناشط اليساري السابق خلال عهد الحسن الثاني وابن عم إلياس العماري، يوصف بأنه رجل الانتخابات أكثر منه رجل الجهاز الحزبي.
ترأس لجنة الانتخابات داخل الحزب سنة 2016، ثم كان عضوا فيها سنة 2021، عندما كانت المنصوري تتولى رئاستها. وتقول «جون أفريك» إن اشتغاله يتم أساسا خلف الكواليس، من خلال الأرقام والجداول والرسوم التنظيمية والخرائط الانتخابية، مع امتدادات استراتيجية في الرباط والريف.
ويمتد مساره إلى محطات سبقت تأسيس الحزب وواكبت بداياته، من هيئة الإنصاف والمصالحة إلى حركة «لكل الديمقراطيين» ثم السنوات الأولى للأصالة والمعاصرة.
ومن ثم، فإن أهمية الحموتي، وفق هذا التصوير، لا ترتبط بالظهور السياسي، بل بالمعرفة الدقيقة بموازين القوى الانتخابية وبناء الشبكات والامتدادات وتتبع تفاصيل العملية الانتخابية.
لقجع ووهبي.. موازين القوة داخل الحزب
دخل فوزي لقجع إلى الأصالة والمعاصرة قبل شهرين فقط من الانتخابات، لكنه، بحسب «جون أفريك»، كان من أبرز الوافدين الذين غيروا دينامية الحزب خلال الحملة الانتخابية.
ففي الوقت الذي تراجع فيه التجمع الوطني للأحرار والاستقلال من حيث عدد المقاعد، تقدم الأصالة والمعاصرة، فيما حمل البرنامج الاقتصادي للحزب بصمة واضحة للقجع، وفق المجلة.
وخلال الحملة، وبينما كانت المنصوري تخوض حملتها في مراكش، تنقل لقجع بين عدد من المناطق لدعم مرشحي الحزب والتواصل مع الناخبين وانتقاد منافسيه.
وتمنحه مسؤولياته الرياضية، نائبا لرئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم وعضوا في اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لكرة القدم، شبكة علاقات واسعة على المستويين الإفريقي والدولي.
وتشير الصحيفة إلى أن بعض أعضاء الحزب يتحدثون عن إمكانية توليه مستقبلا حقيبة الاقتصاد والمالية، بالتوازي مع دوره المرتبط بالتحضير لكأس العالم 2030. ورغم احتمال وجود اختلافات بينه وبين المنصوري، فإن مقربين منهما يؤكدون أن العلاقة بينهما تظل علاقة صداقة.
أما عبد اللطيف وهبي، وزير العدل في الحكومة المنتهية ولايتها والأمين العام السابق للحزب، فيمثل تيارا مختلفا عن المنصوري، لكن العلاقة بينهما تقوم، وفق مصادر «جون أفريك»، على الاحترام.
وخلال فترة قيادته للحزب بين 2020 و2024، كانت المنصوري، التي تولت آنذاك رئاسة المجلس الوطني، تحظى بموقع مسموع داخل التنظيم. كما جمعهما التوافق في عدد من الملفات، رغم أن بعض المعارك التي خاضها وهبي خلال وجوده على رأس وزارة العدل، خصوصا في القضايا المجتمعية وإصلاح مدونة الأسرة، إضافة إلى انتقال قيادة الحزب إلى المنصوري سنة 2024، طرحت أسئلة بشأن مستقبل العلاقة بينهما.
ومع ذلك، حافظ وهبي على موقعه، وتضعه بعض المصادر، إلى جانب لقجع، ضمن الشخصيات التي ترتبط بموازين القوة داخل الحزب وتمتلك شبكاتها الخاصة، بما يجعل الحفاظ على التوازنات الداخلية مرتبطا أيضا بعلاقتها بالمنصوري.
أسماء صعدت مع المنصوري
إلى جانب الشخصيات التاريخية ومراكز القوة التقليدية، برزت أسماء أخرى ارتبط صعودها بالمرحلة التي تقود فيها المنصوري الحزب.
من بينها يونس معمر، الخبير في الطاقة والمدير العام السابق للمكتب الوطني للكهرباء، والإطار السابق بالبنك الدولي في واشنطن وعضو المكتب السياسي. وتعتبره مصادر «جون أفريك» مؤهلا لتولي منصب وزاري، فيما تكلفه المنصوري بملفات وتطلب منه إعداد تقارير، وتعتمد عليه في الحفاظ على علاقات الحزب مع الشبكات الليبرالية الدولية.
ويبرز أيضا خالد حاتمي، عضو المكتب السياسي ونائب تارودانت، الذي غادر البرلمان في يوليوز ليلتحق بالأعضاء الستة للهيئة الوطنية لضبط الكهرباء، تفاديا للجمع بين المهام. وتنسب مصادر عدة إلى المنصوري دورا في هذا التعيين، فيما يتولى حاتمي ملفات مرتبطة بالاقتصاد والفلاحة.
أما عادل البيطار، الذي أعيد انتخابه نائبا برلمانيا عن الدار البيضاء في 23 شتنبر، فيشغل كذلك رئاسة هيئة الموثقين، وكان رئيسا سابقا للجنة القطاعات الإنتاجية. ويرد اسمه ضمن قائمة المرشحين المحتملين لتولي منصب وزاري، مع إمكانية خلافته للمنصوري في قطاع الإسكان.
وفي بداية شتنبر، تولى البيطار تقديم البرنامج الانتخابي للحزب باللغة العربية، بينما قدمت فاطمة السعدي البرنامج نفسه باللغة الأمازيغية.
بلفقيه.. عودة إلى الواجهة
سمير بلفقيه، الأستاذ الجامعي السابق والنائب البرلماني السابق والمدير الحالي للمدرسة الوطنية العليا للفنون والمهن بالرباط، عاد بدوره إلى الواجهة خلال الحملة الانتخابية الأخيرة.
والتحق بلفقيه بالمكتب السياسي سنة 2016 بقرار من إلياس العماري، قبل أن يعيش، بحسب ياسين البهلولي، خمس سنوات صعبة، ثم يستعيد حضوره خلال الانتخابات.
ويصفه الباحث بأنه كان من أبرز المتحدثين باسم الحزب خلال الحملة، وأنه أصبح قريبا جدا من المنصوري التي تمنحه ثقتها، مع إمكانية أن يكون له موقع داخل الحكومة المقبلة.
وكان بلفقيه قد حاول سنة 2024 الوصول إلى قيادة الحزب، قبل أن ينسحب لصالح المنصوري.
بنبراهيم وكوكوس.. شبكات خاصة داخل الدائرة
اختار المهدي بنسعيد أديب بنبراهيم لعضوية المكتب السياسي، في سياق شراكة تجمع الرجلين في مجال الأعمال.
ويقدمه المقال باعتباره نموذجا لـ«التكنوقراطي الجديد»: خبيرا ماليا ومحاسبا ورجل أعمال، يمتلك من بين استثمارات أخرى «Sushibox» و«Le Pavillon des Gourmets» في حي السويسي بالرباط.
وكان بنبراهيم، النائب البرلماني عن الرباط، قد عين سنة 2024 كاتب دولة مكلفا بالإسكان تحت إشراف المنصوري.
غير أن العلاقة بينهما لم تكن دائما سلسة، وفق المقال، في ظل طموحه وتحالفاته مع بنسعيد ورشيد العبدي، رئيس جهة الرباط-سلا-القنيطرة، فضلا عن امتلاكه شبكته السياسية الخاصة.
وتحضر نجوى كوكوس أيضا ضمن دائرة الشخصيات القريبة من رئيسة الحكومة الجديدة، رغم أن مسار العلاقة بينهما عرف، بحسب «جون أفريك»، مراحل من التقارب والتباعد.
كوكوس، رئيسة المجلس الوطني للحزب والمسؤولة السابقة عن شبيبته، محامية ونائبة برلمانية عن الدار البيضاء. وخلال احتجاجات جيل «Z» في أكتوبر 2025، خرجت عن صمت الأغلبية، وعبرت داخل البرلمان عن مواقفها بشأن تلك الاحتجاجات.
وتصف مصادر الصحيفة علاقتها بالمنصوري بأنها قوية، لكنها لم تكن مستقرة دائما. فقد تقاربتا خلال فترة معارضتهما لإلياس العماري، قبل أن تتعقد العلاقة لاحقا، من دون أن يؤدي ذلك إلى تراجع وزن كوكوس داخل الحزب.
شبكة قابلة لإعادة ترتيب أوراقها
وتكشف هذه الخريطة، وفق القراءة التي تقدمها «جون أفريك»، أن دائرة المنصوري لا تقوم على نوع واحد من الولاء أو النفوذ. فهي تجمع بين المقربين شخصيا، والقيادات التنظيمية، والفاعلين الانتخابيين، والشخصيات التاريخية، وأسماء صعدت خلال المرحلة الأخيرة.
وبينما تتحرك بعض هذه الشخصيات داخل دوائر النفوذ السياسي والتنظيمي، يشتغل آخرون في مجالات أكثر تخصصا، مثل الانتخابات أو الاقتصاد أو العلاقات الدولية أو تدبير الشبكات الحزبية.
غير أن القاسم المشترك بينها، بحسب المقال، هو ارتباطها بدرجات متفاوتة بموازين القوة داخل الأصالة والمعاصرة، وهي موازين لا تبدو ثابتة بشكل نهائي، إذ يمكن للولاءات أن تتغير تبعا للظروف، كما يمكن لشبكات تبدو اليوم بعيدة عن مركز القرار أن تعود إلى الواجهة عندما تفرض المرحلة السياسية ذلك.


